ابن الجوزي
333
صيد الخاطر
بفقد الولد ، ويوسف بمجاهدة الهوى ، وأيوب بالبلاء وداود وسليمان بالفتنة . وجميع الأنبياء على هذا . وما لقي نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم من الجوع والأذى وكدر العيش فمعلوم . فالدنيا وضعت للبلاء فينبغي للعاقل أن يوطن نفسه على الصبر ، وأن يعلم أن ما حصل من المراد فلطف ، وما لم يحصل فعلى أصل الخلق والجبلة للدنيا كما قيل : طبعت على كدر وأنت تريدها * صفوا من الاقذاء والأكدار « 1 » ومكلف الأيام ضد طباعها * متطلب في الماء جذوة نار وهاهنا يتبين قوة الايمان وضعفه . فليستعمل المؤمن من أدوية هذا المرض التسليم للمالك ، والتحكيم لحكمته ، وليقل ، قد قيل لسيد الكل « لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ » ثم ليسلّ نفسه بأن المنع ليس عن بخل ، وانما هو لمصلحة لا يعلمها ، وليؤجر الصابر عن أغراضه ، وليعلم اللّه الذين سلّموا ورضوا ، وان زمن الابتلاء مقدار يسير ، والاغراض مدخرة تلقى بعد قليل ، وكأنه بالظلمة قد انجلت ، وبفجر الأجر قد طلع . ومتى ارتقى فهمه إلى أن ما جرى مراد الحق سبحانه ، اقتضى ايمانه أن يريد ما يريد ، ويرضى بما يقدر ، إذ لو لم يكن كذلك كان خارجا عن حقيقة العبودية في المعنى . وهذا أصل ينبغي أن يتأمل ويعمل عليه في كل غرض انعكس . 293 - مخالطة العلماء للسلاطين وضررها رأيت خلقا من العلماء والقصّاص تضيق عليهم الدنيا فيفزعون إلى مخالطة السلاطين لينالوا من أموالهم ، وهم يعلمون أن السلاطين لا يكادون يأخذون الدنيا من وجهها ، ولا يخرجونها في حقها . فان أكثرهم إذا حصل له خراج ينبغي أن يصرف إلى المصالح وهبه لشاعر ، وربما كان معه جندي يصلح أن تكون مشاهرته عشرة دنانير فأعطاه عشرة آلاف ، وربما غزا فأخذ ما ينبغي أن يقسم على الجيش فاصطفاه لنفسه ، هذا غير ما يجري من الظلم في المعاملات .
--> ( 1 ) للتهامي وأول القصيدة : حكم المنية في البرية جاري * ما هذه الدنيا بدار قرار وهي من أجود مراثي العرب .